الذهبي
724
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
ونحن لا ندخل مكانًا يكون فيه . قَالَ المحدث أبو الميمون عَبْد الوهّاب بْن وردان ، فيما حكى عَنْ والده أَبِي الفضل ، قَالَ : حدَّثني بعض المشايخ ، عَنْ أَبِي الفضل الجوهريّ الواعظ قَالَ : كنت أتردّد إلى الخِلَعيّ ، فقمت في ليلة مُقْمرة ظننت أنّ الفجر قد طلع ، فلما جئت باب مسجده وجدت فَرَسًا حَسَنَة عَلَى بابه ، فصعدت ، فوجدت بين يديه شابًا لم أر أحسن منه ، يقرأ القرآن ، فجلست أسمع ، إلى أن قرأ جزءًا ، ثم قَالَ للشيخ : آجرك اللَّه . فقال لَهُ : نفعك اللَّه . ثمّ نزل ، فنزلت خلفه من علو المسجد ، فلمّا استوى عَلَى الفرس طارت بِهِ ، فغشي عليَّ من الرُّعْب ، والقاضي يصيح بي : اصْعَدْ يا أبا الفضل . فصعدت ، فقال : هذا من مؤمني الجنّ الذين آمنوا بنصيبين ، وإنّه يأتي في الأسبوع مرةً يقرأ جزءًا ويمضي . قَالَ ابن الأَنْماطيّ : قبر الخِلَعيّ بالقرافة ، يُعرف بقبر قاضي الجن والإنس ، ويُعرف بإجابة الدّعاء عنده . وسألت شجاعًا المُدْلجيّ وغيره من شيوخنا عَن الخِلَعيّ ، نسبة إلى أيّ شيء ؟ فما أخبرني أحد بشيء . وسألت السديد الرَّبَعِيّ ، وكان عارفًا بأخبار المصريين وكان معدلاً ، فقال : كان أبوه بزازا ، وكانت أمراء المصريّين وأهل القصر يشترون الخِلَع من عنده ، وكان يتصدق بثُلُث مَكْسَبه . وذكر ابن رفاعة أَنَّهُ سمع من الحبّال ، وأنّه أتى إلى الخِلَعيّ ، فطرده مدّة . وكان بينهما شيء أظن من جهة الاعتقاد . وقال أبو الحَسَن عليّ بْن أحمد العابد : سَمِعْتُ الشَّيْخ ابن بخيساه ، قال : كنا ندخل عَلَى القاضي أَبِي الحَسَن الخِلَعيّ في مجلسه ، فنجده في الشتاء والصَّيف وعليه قميص واحد ووجهه في غاية من الحسن لا يتغير من البرد ولا من الحر ، فسألته عَنْ ذَلِكَ ، وقلت : يا سيدنا ، إنّا لنُكْثِر من الثّياب في هذه الأيّام ، وما يُغْني ذَلِكَ عنّا من شدّة البرد ، ونراك عَلَى حالةٍ واحدة في الشّتاء والصيف لا تزيد عَلَى قميص واحد ، فبالله يا سيّدي أَخْبِرْني . فتغيرّ وجهه ودَمَعَتْ عيناه ، ثمّ قَالَ : أتكتم عليَّ ما أقول ؟ قلت : نعم . فقال : غشِيَتْني حمى يومًا ، فنمت في تِلْكَ الليلة ، فهتف بي هاتف ، فناداني باسمي ، فقلت : لبيك داعيَ اللَّه . فقال : لا . قل : لَبَّيْك رَبّيَ اللَّه ، مَا تجد من الألم ؟ فقلت : إلهي